فخر الدين الرازي

175

تفسير الرازي

الحق ما ذكره الكل وهو أن المعنى أمرناهم بالأعمال الصالحة وهي الإيمان والطاعة والقوم خالفوا ذلك الأمر عناداً وأقدموا على الفسق . القول الثاني : في تفسير قوله : * ( أمرنا مترفيها ) * أي أكثرنا فساقها . قال الواحدي : العرب تقول أمر القوم إذا كثروا . وأمرهم الله إذ كثرهم ، وآمرهم أيضاً بالمد ، روى الجرمي عن أبي زيد أمر الله القوم وآمرهم ، أي كثرهم . واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله صلى الله عليه وسلم : " خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة " والمعنى مهرة قد كثر نسلها يقولون : أمر الله المهرة أي كثر ولدها ومن الناس من أنكر أن يكون أمر بمعنى كثر وقالوا أمر القوم إذا كثروا وآمرهم الله بالمد أي كثرهم ، وحملوا قوله عليه الصلاة والسلام : " مهر مأمورة " على أن المراد كونها مأمورة بتكثير النسل على سبيل الاستعارة . وأما المترف : فمعناه في اللغة المتنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش * ( ففسقوا فيها ) * أي خرجوا عما أمرهم الله : * ( فحق عليها القول ) * يريد : استوجبت العذاب ، وهذا كالتفسير لقوله تعالى : * ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) * ( الإسراء : 15 ) وقوله : * ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً ) * ( القصص : 59 ) وقوله : * ( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ) * ( الأنعام : 131 ) فلما حكم تعالى في هذه الآيات أنه تعالى لا يهلك قرية حتى يخالفوا أمر الله ، فلا جرم ذكر أنه ها هنا يأمرهم فإذا خالفوا الأمر ، فعند ذلك استوجبوا الإهلاك المعبر عنه بقوله : * ( فحق عليها القول ) * وقوله : * ( فدمرناها تدميراً ) * أي أهلكناها إهلاك الاستئصال . والدمار هلاك على سبيل الاستئصال . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجوه : الأول : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أراد إيصال الضرر إليهم ابتداء ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق . الثاني : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما خص المترفين بذلك الأمر لعلمه بأنهم يفسقون ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد منهم الفسق ، والثالث : أنه تعالى قال : * ( فحق عليها القول ) * بالتعذيب والكفر ، ومتى حق عليها القول بذلك امتنع صدور الإيمان منهم ، لأن ذلك يستلزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذباً وذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال . قال الكعبي : إن سائر الآيات دلت على أنه تعالى لا يبتدئ بالتعذيب والإهلاك لقوله : * ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) * ( الرعد : 11 ) وقوله : * ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) * ( النساء : 147 ) وقوله : * ( وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) * ( القصص : 59 ) فكل هذه الآيات تدل على أنه تعالى لا يبتدئ بالإضرار ، وأيضاً ما قبل هذه الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله : * ( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( الإسراء : 15 ) ومن المحال أن يقع بين آيات القرآن تناقض ، فثبت أن الآيات التي تلوناها محكمة ، وكذا الآية التي